حين يتحول الداعم إلى عدو: المجلس
الانتقالي الجنوبي وحملة العداء للسعودية
لم يعد الهجوم المتصاعد على المملكة
العربية السعودية من قبل إعلام المجلس الانتقالي الجنوبي ومناصريه مجرد انزلاق
خلاقي عابر في الخطاب السياسي، بل بات سياسة ممنهجة وموجّهة، أُطلقت بتعليمات
واضحة، وتزامنت بدقة مع التعبئات الميدانية والاعتصامات والتحركات في الشوارع.
حملة عدائية منظمة، مسمومة في مضمونها، تستهدف تشويه الدور السعودي في اليمن،
وتقديمه بوصفه خصمًا لا شريكًا، في سلوك يثير الاستغراب والريبة معًا.
اللافت أن هذه الحملة، خلال شهر واحد
فقط، تجاوزت في حدّتها وكثافتها كل ما واجهته عصابات الانتقالي من حملات عدائية
شنّتها ضد جماعة الحوثي طوال خمسة عشر
عامًا من الحرب والصراع المفتوح. وهذه المقارنة ليست مبالغة خطابية، بل مؤشر سياسي
خطير يكشف عن مستوى عميق من العداء الكامن داخل بنية المجلس الانتقالي، عداء لا
يمكن تبريره بالخلافات الظرفية ولا بتقلبات السياسة، بل انه اقرب الى التخابر الداخلي بين عصابات المجلس الانتقالي
وعصابات الحوثي.
الأكثر فداحة أن هذا الخطاب العدائي
يصدر عن كيان لم يكن ليولد سياسيًا، ولا ليستمر عسكريًا وإعلاميًا، لولا الدعم
السخي الذي تلقاه من المملكة العربية السعودية. فقد فتحت الرياض أبوابها للمجلس
وقياداته، وقدمت مليارات الدولارات تحت عناوين التنمية، ودعم الاستقرار، وتحسين
الخدمات في عدن والمناطق الخاضعة لسيطرته، في محاولة لإظهار المجلس كقوة قادرة على
الإدارة، وليس مجرد مليشيا ترفع شعارات.
غير أن النتيجة كانت كارثية. فلا تنمية
تحققت، ولا خدمات تحسنت، ولا نموذج حكم قُدّم للناس في عدن . بل على العكس، تحولت
عدن إلى مدينة منهكة، غارقة في عهدة في المجاري وفي الفوضى وانهيار الخدمات، فيما
تبخرت المليارات في دهاليز الفساد، واختفت في حسابات القيادات، دون أي شفافية أو
مساءلة. والأسوأ من ذلك أن جزءًا من هذه الأموال، التي كان يفترض أن تُنقذ الناس
من الجوع والمرض، استُخدم لتمويل حملات تحريضية ضد الدولة التي قدمت الدعم.
وتحت شعارات مكررة ومضللة مثل
«السعودية تحاصر شعب الجنوب» و«السعودية تمنع الدواء والغذاء»، التي قمنا بحصرها
والاحتفاض بنسخ منها ، جرى قلب الوقائع رأسًا على عقب، وتحويل الفشل الداخلي إلى
مؤامرة خارجية. خطاب شعبوي فجّ، يُراد به شحن الشارع، وتوجيه الغضب الشعبي بعيدًا
عن المسؤول الحقيقي عن انهيار الخدمات وغياب الرواتب وانتشار الفساد. وهنا يبرز
السؤال الذي يحاول المجلس الانتقالي الهروب منه: أين ذهبت مليارات الدولارات التي
قدمتها السعودية خلال عشر سنوات؟ ولماذا لم تتحول إلى دواء في المستشفيات أو غذاء
في الأسواق؟
إن مهاجمة السعودية بهذا الشكل ليست
موقفًا وطنيًا، بل فعل سياسي انتهازي لا اخلاقي، يهدف إلى التنصل من المسؤولية،
وإعادة إنتاج خطاب الضحية لتبرير الفشل والعجز. كما أن هذا السلوك يكشف عن ضيق أفق
سياسي، وعدم إدراك لطبيعة التحالفات الإقليمية، وعن استعداد لحرق الجسور مع أقرب
داعم، فقط لإطالة عمر سلطة أمر واقع مأزومة ، وتبرير التمرد الذي قادته عصابات
الانتقالي باقتحام حضرموت والمهرة وعدم انصياعها لاوامر التحالف العربي بالخروج
فورا والعودة الى حيث أتت، فقد قيل لتلك العصابات ان جبهات القتال باتجاه الشمال
وليست باتجاه الشرق .
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع سياسي
أن يقوم على إنكار اليد التي دعمته، ولا على شيطنة الحليف لتغطية الفساد وسوء
الإدارة. فاستهداف السعودية بهذه الطريقة لا يسيء للمملكة بقدر ما يفضح مأزق
المجلس الانتقالي وسقوطه الاخلاقي، ويضعه في مواجهة أسئلة قاسية حول شرعيته،
ونزاهته، وقدرته على تمثيل الناس الذين يدّعي الدفاع عنهم.

تعليقات
إرسال تعليق