القائمة الرئيسية

الصفحات

 



جنوب اليمن يفتح النار على حضرموت مرة ثانية

كان المشهد السياسي قبيل الانسحاب البريطاني معقّداً ومضطرباً على نحو لم تشهده جنوب الجزيرة العربية من قبل. فمع دخول خمسينيات وستينيات القرن العشرين بدأت عدن وماجاورها تعيش مخاضاً عميقاً، إذ أخذت الأفكار التحررية والمد القومي العربي المدعوم من الكتلة الشيوعية العالمية، ينتشران بقوة، كما بدأت القوى الإقليمية القومية والدولية الشيوعية تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر لدعم جماعات مختلفة ترى في الجنوب ساحة صراع جديدة بعد ان صدر قرار الأمم المتحدة بضرورة تخالي الدول الاستعمارية عن مستعمراتها ومنها عدن، وكانت قد قرر بريطانيا في وقت سابق ، قبل خروج الحركات التي ادعت انها ثورية، انها سوف تنسحب  من محمية عدن والمحميات الغربية التابعة لها، وهو مافجر حماس الحركات التي أعلنت عن نفسها ليكون لها اسبقية الفوز باستلام سلطة عدن من الإدارة البريطانية في عدن، فدخلت مع بعضها البعض في صراع دموي منذ بداية 1967 الى يوم 26 نوفمبر من نفس العام ، وكان اكثر ضحايا الجبهة القومية (NLF) وجبهة التحرير (FLOSY) ناتج عن تلك التصفيات. 

وسط هذا الزخم المتصاعد، كانت حضرموت تبدو وكأنها تعيش في عالم مختلف. لم يكن المجتمع في عجلة من أمره للانخراط في اعلان دولة حضرموت المستقلة، فكانت المليشيات والشعارات الشيوعية  التي كانت تعصف بجنوب اليمن اسرع من أي ترتيبات  داخلية في حضرموت. وكان المشهد ماسويا حقا، ففي وقت سابق عندما اشتدت المواجهات في عدن، وبدأت الفصائل المتنافسة تتصارع على السلطة بعد أن اقترب موعد رحيل البريطانيين. كانت جبهة التحرير والجبهة القومية تخوضان صراعاً دامياً على النفوذ، انتهى بتصفية الأولى على يد الثانية، وهو تحوّل لم يقتصر تأثيره على عدن وحدها. إذ سرعان ما امتدت تداعياته إلى المناطق المحيطة، حتى وصل الى حضرموت، باستخدام أسلوب الصدمة، بالقيام بالتصفيات والسحل لشخصيات وفقا لاختيار عشوائي، حتى يتم إرهاب المجتمعات في طريقها . ومع انهيار التوازنات التي كانت تضبط الصراع في عدن، انتقلت مليشيات الجبهة القومية إلى حضرموت، حاملة معها أسلوب الإبادة الجماعية العشوائية الذي اعتمدته في عدن ومابعدها من مناطق  . لم تكن هذه المجموعات المحلية التي رافقتهم تمثل  قاعدة اجتماعية في حضرموت، بل ان من انظم لهم من داخل حضرموت كان بدافع الرهبة والخوف، وهو اشبه بما يجري اليوم مع دخول نفس تلك المليشيات، في ثوبها الجديد،  فصالت وجالت مدفوعة بنشوة الانتصار وبالرغبة في التوسع الى عمان ثم المملكة العربية السعودية، ففرضت سلطتها على منطقة كانت تُعدّ من أغنى مناطق جنوب الجزيرة العربية وأكثرها استقراراً.

 

وفي الايام التالية، بدأت هذه العناصر تمارس شكلاً من من اشكال الإرهاب السياسي يقوم على مبدأ التخوين، من ليس معنا فهو ضدنا، أي إرباك المجتمع وخلخلة توازنه المعتاد عبر تنفيذ عمليات قتل وخطف وتهديد وترويع للقيادات المحلية ولرموز المجتمع. انتشرت أخبار الاعتداءات كالنار في الهشيم، وتحوّلت القرى والمدن التي لم تعرف قط هذا النوع من العنف إلى ساحات قلق وترقب. اختُرقت الأعراف التي كانت تحمي السلم الأهلي، وسُحق التوازن الذي حافظ عليه الحضرميون قروناً طويلة. وللمرة الأولى تجد حضرموت نفسها في مواجهة عنف سياسي منظم يُفرض عليها من خارج نسيجها الاجتماعي، ويستهدف إخضاعها بالقوة.

مع انسحاب بريطانيا من جنوب الجزيرة العربية في نوفمبر 1967، وجدت حضرموت نفسها في مواجهة تحوّل تاريخي عميق لم تكن مهيأة له، كان السقوط سريعاً ومدوياً، وكأن الزمن الذي تعاقبت فيه تلك السلطنات الضعيفة قد انكمش في لحظة واحدة، ولم يكن المجتمع مهيئ ، لمسك زمام الأمور ولم تكن هناك نخب تملك برامج سياسية بديلة للحفاظ على حضرموت.

في هذا الفراغ الكبير، اندفعت تلك المليشيات المسلحة نحو حضرموت، وكانت قد خرجت منتصرة من صراع عدن وتعلم ان الطريق امامها سالك ، فاتخذت من أسلوب العنف الثوري وسيلتها لتثبيت وجودها في حضرموت. ودخلت المدن الحضرمية واحدة تلو الاخرى بوجوه غريبة عن حضرموت، محملة بمنطق العنف الثورة الذي لا يعترف بالحدود الاجتماعية ولا بالعادات المتوارثة، وبدأت تمارس القمع والمداهمات والاعتقالات وتصفية الخصوم، ما شلّ بنية المجتمع في لحظات وأصاب الناس بالذهول. لم يكن المجتمع الحضرمي قد عرف مثل هذا العنف السياسي المنظم، لذلك بدا وكأنه يتلقى ضربة موجعة تفقده توازنه القديم، وغابت السلطات المحلية  فجأة تاركة فراغاً سياسياً  واداريا تم ملئه بالشعارات الشيوعية الثورية، ومسنود بقوة خارجية فرضت نفسها بالسلاح.

وبعد انتشار تلك المليشيات في عموم حضرموت، تم الإعلان عن ضم حضرموت قسرياً – أي احتلالا - إلى الدولة الجديدة التي نشأت في جنوب اليمن عقب خروج بريطانيا،. لم يكن هذا الضم تعبيراً عن حركة داخلية حضرمية أو إرادة شعبية نابعة من الإقليم نفسه، بل كان نتيجة مباشرة للمتغيرات الإقليمية وانتصار القوى المسلحة في عدن، حيث صنعت نتائج الحرب مساراً سياسياً شاملاً شمل حضرموت دون أن يكون لها فيه رأي حقيقي. وهكذا انتقل الإقليم من حالة شبه استقلال سياسي واجتماعي إلى وضع الاحتلال ، في عملية ضم والحاق بشعة التهمت مساحة توازي الاف الاضعاف من مساحة المربع الذي قدمت منه تلك المليشيات الغازية ذاتها.

أدى هذا التحول إلى تفكيك البنية السياسية التي عاشت عليها حضرموت قروناً طويلة. اختفت المؤسسات التقليدية التي كانت تدير المجتمع، وجرت عملية منهجية لإلغاء الهياكل الاجتماعية من قبائل ووجهاء وأسر علمية، بل انها تمت عمليات السحل والتمثيل بنماذج من تلك الشخصيات،لارهاب المجتمع الحضرمي، وتجريم اسم حضرموت، فتراجع دور النخب المحلية التي شكّلت ركائز الحياة العامة. بدأت الهوية السياسية لحضرموت تتآكل تحت وطأة مشروع الدولة المركزية الجديدة، التي لم تتعامل مع الإقليم بوصفه كياناً له تاريخ مستقل، بل كجزء يجب إعادة تشكيله وفق رؤية ثورية شديدة المركزية. لم يعد اسم حضرموت يشير إلى إقليم له وزنه السياسي، بل تحوّل إلى مجرد محافظة تُعرف برقمها في التقسيم الإداري الجديد، حيث أصبحت المحافظة الخامسة وهو جزء من سيناريوالامعان في الاذلال لشعب حضرموت، في خطوة كانت أشبه بطمس متعمّد للهوية التاريخية والإقليمية وتحويلها إلى مجرد خانة إدارية ضمن كيان مسخ قرر القائمون عليه ان لا اعترف بالخصوصيات المحلية وتم اغراقة بافكار مسمومة وثقافة دخيلة لاتمت للمجتمعات المحلية بصلة ،  وخضعت المجتمعات المحلية على مدى سنوات قليلة لعملية تفكيك ممنهج للقيم والثوابت واستبدالها باخرى أدخلت المجتمعات في حالة حيرة وشتات وتخبط وتيهان أوقف عجلة التقدم والتنمية والابداع قرابة ستون عاما ومازالت اثارها السلبية ماثلة الى اليوم ، فالتاريخ القريب لا يزال حاضراً في الذاكرة، وكانت حضرموت تناقش قضية الزام سلطات جنوب اليمن بالاعتراف باحتلال حضرموت عام 1967 ، والاعتذار عن فترة الاحتلال، فاذا بهم يحركون مجموعاتهم المسلحة باتجاه حضرموت، وهاهم اليوم في  2025م  ، يفتحون النار على حضرموت مجددا،  نفس الفئة وبنفس الأسلوب وبنفس الذريعة، إعادة احتلال وضم والحاق بالقوة ، ليفتحوا بذلك جرح غائر لم يلتئم بعد. من كتاب" التنظيم القانوني لممارسة حق تقرير المصير في حضرموت"

المحامي صالح عبدالله باحتيلي. محام مترافع امام المحكمة العليا

تعليقات

التنقل السريع