القائمة الرئيسية

الصفحات

 


دولة حضرموت المستقلة كخيار انتقالي

يمثل خيار الدولة الحضرمية المستقلة كمرحلة انتقالية أحد أكثر السيناريوهات جرأة في التفكير السياسي الحضرمي المعاصر، لكنه في الوقت نفسه ليس نتاج انفعال آني أو رغبة في القطيعة بمعناه التقليدي، بل ثمرة تراكم طويل من الوعي التاريخي والقانوني والسياسي الذي استعرضته نقاشات النخب القانونية الحضرمية. التي تخلص في كل مرة الى حقيقة ان كل الطرق تودي الى روما، بمعنى انه من الناحية القانونية فان خيارات استعادة حضرموت تبدا من ضرورة اعتراف الدولة المركزية بخطا ضم حضرموت، وضرورة عدم مناقشة السلطة المركزية والدول الراعية للسلام في اليمن اي طلبات من قبل الطرف الجنوبي المطالب بالانفصال قبل ان يعترف بعدم مشروعية ضم حضرموت في 1967 والاعتذار عن مرحلة الاحتلال، وتنتهي دائما الى هذه النقطة: نقطة التساؤل الجاد حول إمكانية أن تستعيد حضرموت وضعها ككيان سياسي مستقل، ولو لفترة انتقالية، بغية إعادة صياغة علاقتها مع محيطها من موقع الندية لا التبعية، ومن موقع التقرير الحر لا الخضوع لظروف الأمر الواقع.
إن هذا السيناريو لا يُطرح في الأدبيات الحضرمية بوصفه حتمية نهائية، بل كخيار استراتيجي مؤقت، منضبط قانونيًا وعمليًا، يهدف إلى تصحيح مسار تاريخي مختلّ تراكمت تشوهاته منذ لحظة الضم الأولى في 1967، حين دخلت حضرموت في مرحلة عسيرة من الإخضاع القسري والتغيير الاجتماعي والسياسي القائم على العنف الثوري، ثم تجددت تلك التشوهات في اللحظة الثانية عام 1990 حين قُدمت حضرموت ضمن “الملف الجنوبي” في اتفاقية الوحدة من دون أي تفويض شعبي أو سند قانوني يعكس إرادة أبنائها. وعلى مدى عقود لاحقة، ظلّت حضرموت واقعًا مُلحَقًا لا شريكًا، سواء في الجنوب قبل الوحدة أو في اليمن الموحّد بعدها، وهو ما جعل فكرة “التصحيح التاريخي” تطفو على السطح بوصفها ضرورة لا مجرد مطلب.
وتبرز الدولة الحضرمية الانتقالية في هذا السياق كإطار سياسي مؤقت يمنح الحضارم فرصة لتفكيك آثار الإلحاق، وإعادة بناء مؤسساتهم، وصياغة عقد اجتماعي حضرمي جامع يعيد تعريف الهوية السياسية والقانونية للكيان الحضرمي. إنها مرحلة تأسيسية تسمح بإعادة بناء ما هدمه الزمن الاحمر، وتتيح للحضارم ممارسة حق تقرير المصير بصورة كاملة، ثم تحديد شكل العلاقة المستقبلية مع اليمن أو مع الجنوب أو مع المحيط الإقليمي وفق إرادتهم الحرة، لا وفق ترتيبات فرضتها الانقلابات أو الاتفاقات المغلقة أو التحالفات العابرة.
ويتسق هذا السيناريو مع ما أبرزه التحليل المنطقي حول تطور الهوية الحضرمية، ومع ما تم شرحه حول مفهوم تقرير المصير في القانون الدولي. فوفق القانون الدولي، يحق لأي شعب تعرض للإلحاق القسري أو التغيير الديمغرافي أو الإقصاء السياسي أن ينتهج مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي الكامل أو الاستقلال المؤقت لإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وتقرير موقعه النهائي في النظام الدولي. وقد طبقت أمثلة عديدة هذا المبدأ، مثل تيمور الشرقية وجنوب السودان وإريتريا، حيث شكّلت المرحلة الانتقالية محطة ضرورية قبل تحديد الوضع النهائي، بغض النظر عن النجاح أو الفشل اللاحق في إدارة الدولة المستقلة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا السيناريو تكمن في كونه استجابة مباشرة لجذر المعضلة الحضرمية: انهيار الثقة. فبعد عقود من التجارب المريرة- سواء في ظل سلطة الجنوب السابقة أو في ظل المركزية المفرطة بعد الوحدة- أصبح من الواضح أن أي عقد جديد بين حضرموت والمركز، شمالًا كان أو جنوبًا، لن يكون مستدامًا ما لم يسبقه اعتراف صريح بتاريخ الإلحاق، ثم تمكين حضرموت من إعادة بناء نفسها كمركز قرار مستقل. وبما أن هذا الاعتراف غائب حتى اللحظة، بل ويجري الالتفاف عليه بخطاب سياسي يسعى إلى إعادة حضرموت إلى المربع ذاته، فإن الدولة الحضرمية الانتقالية تظهر كمسار عقلاني يتجاوز هذا الانسداد.
ويأتي هذا السيناريو أيضًا استجابة للواقع الأمني والسياسي الذي تناولته النقاشات المستفيضة ، خصوصًا ما يمثله التدخل العسكري القادم من خارج حضرموت من تهديد مباشر لبنيتها الاجتماعية وأمنها ومواردها وامن دول الخليج المجاورة، التي ترتبط مع حضرموت بنسيج اجتماعي وموروث ثقافي واحد. وقد أظهرت الأحداث المتلاحقة، مثل لقاءات العلبب التاريخية، أن الحضارم باتوا ينظرون إلى حماية الذات بوصفها مسؤولية مباشرة، وأنهم مستعدون- ضمن القانون والأعراف- للانتقال من موقف الدفاع إلى موقف المبادرة. وبذلك يصبح الكيان السياسي المستقل مرحلة ضرورية لتأمين المجال الحضرمي ومنع أي قوة من فرض إرادتها عليه، سواء كانت قوة مركزية أو مليشيات عابرة للحدود الإدارية.
ومن الناحية العملية، لا تعني الدولة الحضرمية الانتقالية القطيعة مع الإقليم أو مع التحالف العربي، بل على العكس: إنها إطار مؤسسي يتيح لحضرموت بناء علاقة متوازنة مع دول الخليج التي تمتلك نسيج اجتماعي متنجانس ، والتي ينظر كثير من الحضارم إلى مواقفها بوصفها أقرب لتفهم خصوصية حضرموت مقارنة بمواقف القوى المركزية اليمنية أو الجنوبية. كما أنها أي الدولة الحضرمية ستمنح حضرموت القدرة على إدارة ثرواتها النفطية والغازية والسمكية والزراعية بصورة مستقلة، وبناء اقتصاد قادر على تمويل مؤسسات الدولة الوليدة، وهو ما تم التطرق إليه أيضا في كثير من النقاشات حول مستقبل حضرموت.
واللافت في هذا السيناريو أنه يستند إلى واقعية سياسية لا تُهمل البعد التاريخي ولا القانوني ولا الاقتصادي. فحضرموت ليست كيانًا هشًا يفتقر إلى مقومات الدولة؛ بل على العكس تمامًا، فهي تملك مساحة جغرافية بحجم دول متوسطة، وتملك موارد طبيعية ضخمة، وشبكات بشرية واسعة ممتدة في المهجر، وهو ما يجعل إمكانية إنشاء دولة قابلة للحياة أمرًا ممكنًا، لا في الخيال السياسي فحسب، بل في الحسابات الجيوسياسية الراهنة.
ولذلك، فإن الدولة الحضرمية المستقلة كمرحلة انتقالية ، هي مشروع تصحيحي يهدف إلى تحرير الإرادة الحضرمية أولًا، ثم تحديد الطريق الأمثل للمستقبل على أساس الاختيار الحر. إنها صيغة مؤقتة، لكنها حاسمة؛ صيغة تُعيد لحضرموت حقها الطبيعي في أن تكون ذاتها، وأن تتحدث بصوتها، وأن تصوغ موقعها في المنطقة دون وصاية أو إلحاق. ومن هنا فإن هذا السيناريو يشكل امتدادًا منطقيًا لكل الأفكار التي طرحها هذا الكتاب، ويمثل مرحلة متقدمة في رحلة الحضارم نحو استعادة حق تقرير المصير بوصفه ضمانة نهائية لعدم تكرار التاريخ. من كتاب" التنظيم القانوني لممارسة حق تقرير المصير في حضرموت"- المحامي صالح عبدالله باحتيلي- محام مترافع امام المحكمة العليا.

تعليقات

التنقل السريع